الأخوان «رايت» هما «ويلبور» (١٨٦٧-١٩١٢) و«أورفيل» (١٨٧١-١٩٤٨)، الشقيقان الأمريكيان اللذان حققا حلماً قديماً. إنهما رائدا عصر الطيران الذي حقق قفزات هائلة في أيامنا هذه، فقد كانا أول من قاد آلة طائرة أثقل من الهواء وارتفعا بها في الجو.
برز اهتمام الأخوين «رايت» بالمجالات الميكانيكية منذ صغرهما، وكانا يصنعان ألعابهما ويبتكرانها دون مساعدة أحد. بدأ الشقيقان حياتهما العملية في صنع الدراجات في دايتون بولاية أوهايو، وتزايد اهتمامهما بالطائرات الشراعية التي نجح أوتو ليلينتال وأوكتاف شانوت في قيادتها في الهواء. وتنبه الاثنان إلى نقطة الضعف في التحكم في هذه الطائرات الشراعية خلال قيادتها، وهي ضرورة تحريك وضع الجسم خلال الطيران. وهكذا ابتكرا طريقة لوي أطراف الجناح التي تطورت بعد ذلك لتصبح تلك الأجزاء المتحركة في جناحي الطائرة الضرورية لحفظ التوازن. اختبر الاثنان مدى فعالية طريقتهما على نموذج طائرة بجناحين متوازيين، وذلك عام ١٨٩٩. وفي العام التالي توجها إلى كيتي هوك على ساحل رملي منبسط في ولاية كارولينا الشمالية لتجربة موديل حقيقي لطائرة. هذه الطائرة ارتفعت في الجو دون أن يقودها أحد، وتكشفت بفضلها العديد من أخطاء التصميم التي وقع فيها ليلينتال وشانوت.
تجارب الأخوين «رايت» طرحت العديد من التساؤلات بالنسبة إليهما، فجهزا غرفة اختبار خاصة هي الأولى من نوعها لدراسة وتجربة الشكل الأمثل للطائرة من حيث مرونة الانسياب في الأجواء ومواجهة التيارات الهوائية، وذلك بهدف تخطي المصاعب السابقة. في غرفة الاختبار هذه جرب الاثنان أكثر من ٢٠٠ نموذج من الأجنحة قبل البدء في بناء طائرتهما الشراعية الثالثة بالمواصفات المرجوة، وذلك في عام ١٩٠٢. هذه الطائرة كانت ناجحة تماماً، وحلقت أكثر من ألف مرة، واجتازت مسافة ٦٠٠ قدم في الجو في بعض المرات.
الخطوة التالية كانت تتمثل في تزويد الطائرة الشراعية بقوة الدفع الكافية للطيران. ولما فشلا في العثور على محرك خفيف الوزن للقيام بهذه المهمة، صمما المحرك اللازم بنفسهما. هذا المحرك يعمل بالبترول ووزنه ٧٧ كيلوجراماً، وهو ذو ٤ سلندرات، أما قوته فكانت ١٦ حصاناً بخارياً عند بدء التشغيل، ثم تخف دفعة واحدة لتصبح ١٢ حصاناً بخارياً فقط. وجهز الاثنان طائرتهما الأولى بمروحتين تدوران بواسطة سلاسل متصلة بالمحرك.
شهد شاطئ كيتي هوك مولد تاريخ الطيران الحديث. ففي ١٧ ديسمبر من عام ١٩٠٣ حقق «أورفيل رايت» إنجازاً تاريخياً رائداً عندما قام بأول طلعة جوية على متن طائرة مزودة بمحرك، مفتتحاً بذلك عصراً جديداً. مدة الطيران كانت متواضعة ولم تستغرق سوى ١٢ ثانية، وبلغت سرعة الطائرة في الجو خلال التجربة ٤٥ ميلاً في الساعة مقابل الرياح التي واجهتها، والتي كانت سرعتها ٢١ ميلاً في الساعة. وبذلك تكون الطائرة قد قطعت مسافة ٥٤٠ قدماً في الجو، ولكن الطائرة عادت وقطعت أكثر من ضعف هذه المسافة خلال تجربة تحليق أخرى تمت في نفس النهار.
منذ ذلك الوقت بدأ الشقيقان يقومان بمحاولات مستمرة للتحسين والتطوير، وقد أكملا بناء عدة آلات طائرة قاما بواسطتها برحلات جوية أطول. وقد اعترفت الولايات المتحدة جدياً بجهودهما وأهميتها في عام ١٩٠٨، وطلبت منهما بناء الطائرات لحسابها. وفي عام ١٩٠٨ قدم الشقيقان عروضاً تاريخية في فرنسا نجحا بفضلها في إقناع الأوروبيين بأنه يمكن فعلاً الارتفاع والتحليق في الأجواء على متن طائرات أثقل من الهواء. وهكذا تبددت الشكوك أمام هذا الواقع الجديد وبدأ عصر الطيران.